أسرار البكاء على الإمام الحسين (ع)/الشيخ عبد الجليل المكراني

0 المشاركات 0.0 / 5

http://www.al-asghar.com/arabic/images/news_site/thm_almakrani.jpg

أسرار البكاء على الإمام الحسين (ع)/الشيخ عبد الجليل المكراني

بسم الله الرحمن الرحيم

عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): قال: "نظر النبي (ص) إلى الحسين (ع) وهو مقبل فأجلسه في حجره، وقال: ((إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً)). ثم قال أبو جعفر: بأبي قتيل كل عبرة". قيل: وما قتيل كل عبرة يا ابن رسول الله؟ قال:"لا يذكره مؤمن إلّا بكى".

بحلول شهر محرم الحرام يتساءل الكثيرون عن السبب الرئيس للبكاء في هذا الشهر وما فائدته؟

وجواباً على مثل هذا التساؤل نقول: إنّ في البكاء على الإمام الحسين(ع) سراً عظيماً من أسرار عظمة الإسلام والقرآن وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمن أدرك هذا السرّ العظيم فقد أدرك حقيقة الإسلام، بل حقيقة الإيمان والتوحيد.

انّ البكاء هو دليل الاعتراف بحق الشخص المبكى وبما أسدى من خدمات جليلة لمصلحة الأمّة والشريعة، ولذلك نرى رسول الله (ص) بكى كثيراً على عمّه حمزة (ع) وابن عمّه جعفر (ع) حين استشهدا دفاعاً عن الإسلام حتى قال: (على مثل جعفر فلتبكي البواكي).

    والبكاء على الإمام الحسين (ع) هو تعظيم لشعائر الدين وتخليداً لاسم من خلّد الدين وأحياه، وهو حسين الفضيلة وحسين الإباء، الذي بذل مهجته ونفسه في سبيل الإسلام ورفع رايته.

من هنا صار البكاء على الإمام الحسين في أيام الحرم وغيرها شعاراً يعلن يسجل به موقفاً نقول من خلاله: إنّ الإمام (ع) قتل مظلوماً وهو حجة الله في الأرضين. وهذا البكاء هو بمثابة مذكرة احتجاج على هذه الجريمة النكراء نرفعها للعالم أجمع تعبّر عن عظم الفاجعة والمصيبة.

ثم إنّ البكاء على الشهيد مشاركة له في ملحمته وتجاوباً مع روحه، وانسياقاً وراء نشاطه وحركته. والإمام الحسين عليه السلام بشخصيته الجليلة وشهادته البطولية ملك قلوب ومشاعر مئات الملايين من الناس، ولو استثمر هذا المخزون العظيم بشكل صحيح لأجل إيجاد حالة من الانسجام والتناسق والتناغم بين الأرواح الحسينية الكبيرة لأصلح قطاع مهم من العالم.

لذا ندب الأئمة عليهم السلام للبكاء على الإمام الحسين فوردت عن أهل البيت (ع) أحاديث جمّة في الحث على البكاء وفي استحبابه على المولى الشهيد (ع) وبيان ما له من عظيم الأجر.

عن الإمام الباقر (ع) قال: "كان أبي علي بن الحسين (ع) يقول: «أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) ومن معه حتى تسيل على خديه بوّأه الله في الجنة غرفاً، وأيّما مؤمن دمعت عيناه دمعاً حتى يسيل على خديه لأذىً مسّناً من عدونا بوّأه الله مبوّأ صدق، وأيّما مؤمن مسّه أذىً فينا فدمعت عيناه حتى يسيل على خديه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عنه الأذى، وأمنه يوم القيامة من سخطه ومن النار».

وقال الإمام الصادق (ع): «من تباكى فله الجنة». أي من تباكى على الحسين ومصيبته، فإنّ الثواب نفسه للمتباكي وهو الذي قد استعصى عليه الدمع لأسباب معينة نفسية وغيرها فيحاول أن يتشبّه بالباكي، فالباكي والمتباكي في الثواب سواء؛ لأنّهما مشتركان في الهدف، في أنهما يعربان عن عشقهما ومواساتهما لأهل البيت (ع) ويعلنان براءتهما من أعدائهم وظالميهم.

من هنا صار ثمن الدمعة التي تذرف على هذا الشهيد الجنة، وذلك لمن بكى البكاء العقلائي في مقابل البكاء العاطفي الذي تزول آثاره بسكون العاطفة  التي لا تتعدى آثاره لحظات البكاء نفسها؛ لأنّ البكاء من المنطلق العقلي يكون دافعاً لتغيير الإنسان وتحوّل حياته نحو طلب الكمال المتمثّل في تحقيق المبادئ السامية المتجسدة في من بكاه.

وتكرر البكاء مدى الأيام والدهور على الحسين (ع) يعكس مدى مصداقية الحب والولاء المستمر والمتعاظم لسيد الشهداء (ع) في نفوس الباكين.

وليس الثواب منحصراً بالباكي والمتباكي فقط وإنّما الجزيل منه لمن أبكى، يقول الإمام الصادق (ع) لأبي عمارة: "يا أبا عمارة، أنشدني في الحسين بن علي عليهما السلام". قال: فأنشدته فبكى، ثم أنشدته فبكى. قال: فوالله ما زلت أنشده فيبكي حتى سمعت البكاء من الدار. فقال: "يا أبا عمارة، من أنشد في الحسين بن علي (ع) شعراً فأبكى خمسين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فأبكى عشرين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً فله الجّنة، ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فتباكى فله الجنّة".

ومن هذا الكلام  نستطيع أن نفهم بشكل أعمق تلك المنطلقات التي من أجلها قال رسولنا الكريم (ص): "إنّ لقتل الحسين حرارة فى قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً".

وروي عن الصادق (ع) أنّه إذا هل هلال عاشور اشتدّ حزنه وعظم بكاؤه على مصاب جدّه الحسين (ع)، والناس يأتون إليه من كل جانب ومكان يعزّونه بالحسين ويبكون وينوحون على مصاب الحسين، فادا فرغوا من البكاء يقول لهم : "أيّها الناس، اعلموا أنّ الحسين حي عند ربّه يرزق من حيث يشاء، وهو (ع) دائماً ينظر إلى مكان مصرعه ومن حل فيه من الشهداء، وينظر إلى زواره والباكين عليه والمقيمين العزاء عليه، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنازلهم في الجنة، وأنّه ليرى من يبكي عليه فيستغفر له ويسأل جدّه وأباه وأمّه وأخاه أن يستغفروا للباكين عليه والمقيمين عزاه. ويقول: لو يعلم زائري والباكي علي لانقلب إلى أهله مسروراً، وما يقوم من مجلسه إلّا وما عليه ذنب، وصار كيوم ولدته أمّه".

فما عذر من هلّ عليه شهر عاشور وتغافل  عن هذه المصيبة التي أبكت كل عين؟!

عبدالجليل أحمد المكراني

 

تعليقات القراء

  1. ليس هناك تعليقات

ارسل جوابا

لم ينشر العنوان في الموقع

*